[الشعراء : 55] وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ
55 - (وإنهم لنا لغائظون) فاعلون ما يغيظنا
القول في تأويل قوله تعالى : " وإنهم لنا لغائظون " .
قوله تعالى : " وإنهم لنا لغائظون " أي أعداء لمنا لمخالفتهم ديننا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها على ما تقدم . وماتت أبكارهم تلك الليلة . وقد مضى هذا في ( الأعراف ) و( طه ) مستوفى . ويقال : غاظني كذا وأغاظني. والغيظ الغضب ومنه التغيظ والاغتياظ . أي غاظونا بخروجهم من غير إذن " وإنا لجميع حاذرون " أي مجتمع مستعد أخذنا حذرنا وأسلحتنا . وقرى ( حاذرون) و( حذرون) خائفون . قال النحاس : حذورن قراءة المدنيين وأبي عمرو ، وقراءة أهل الكوفة : "حاذرون " وهي معروفة عن عبد الله بن مسعد وابن عباس ، و(حاذرون ) بالدال غير المعجمة قراءة أبي عباد وحكاها المهدوي عن ابن ابي عمار ، و الماوردي و الثعلبي عن سميط بن عجلان قال النحاس : أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى (حذرون )(وحاذرون )
وهو قول سيبويه وأجاز : هو حذر زيدا ، كما يقال : حاذر زيدا ، وانشد :
حذر أموراً لا تضير وآمن ما ليس منجيه من الأقدار
وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيداً على حذف من . فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر ، منهم الكسائي و الفراء و محمد بن يزيد ، فيذهبون إلى أن معنى حذر في خلقته الحذر ، أي متيقظ متنبه ، فإذا كان هكذا لم يعتد ، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدمين . قال عبد الله بن مسعود في قول الله عز وجل : " وإنا لجميع حاذرون " قال : مؤذن في السلاح والكراع مقوون ، فهذا ذالك بعينه . وقوله :
لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر, وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه, وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون, لم يبق لهم إلا العذاب والنكال, فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر, وأن يمضي بهم حيث يؤمر, ففعل موسى عليه السلام ما أمره به ربه عز وجل, خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حلياً كثيراً, وكان خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر, وذكر مجاهد رحمه الله أنه كسف القمر تلك الليلة, فالله أعلم, وأن موسى عليه السلام سأل عن قبر يوسف عليه السلام, فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه, فاحتمل تابوته معهم, ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه عليهما السلام, وكان يوسف عليه السلام قد أوصى بذلك, إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم.
وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم رحمه الله فقال: حدثنا علي بن الحسين , حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح , حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق , عن ابن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: " نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاهدنا ؟ فأتاه الأعرابي, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاجتك ؟ قال: ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي, فقال أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل ؟ فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله ؟ قال إن موسى عليه السلام لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق, فقال لبني إسرائيل: ما هذا ؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقاً من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا, فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف ؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل, فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف, فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي, فقال لها: وما حكمك ؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة, فكأنه ثقل عليه ذلك, فقيل له: أعطها حكمها ـ قال ـ فانطلقت معهم إلى بحيرة ـ مستنقع ماء ـ فقالت لهم: انضبوا هذا الماء, فلما أنضبوه قالت: احفروا, فلما حفروا استخرجوا قبر يوسف, فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار" وهذا حديث غريب جداً, والأقرب أنه موقوف, والله أعلم, فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب, غاظ ذلك فرعون, واشتد غضبه على بني إسرائيل لما يريد الله به من الدمار, فأرسل سريعاً في بلاده حاشرين, أي من يحشر الجند ويجمعه كالنقباء والحجاب, ونادى فيهم "إن هؤلاء" يعني بني إسرائيل "لشرذمة قليلون" أي لطائفة قليلة "وإنهم لنا لغائظون" أي كل وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا "وإنا لجميع حاذرون" أي نحن كل وقت نحذر من غائلتهم, وإني أريد أن أستأصل شأفتهم, وأبيد خضراءهم, فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم, قال الله تعالى: "فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم" أي فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم, وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق, والملك والجاه الوافر في الدنيا "كذلك وأورثناها بني إسرائيل" كما قال تعالى: "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها" الاية, وقال تعالى: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" الايتين.
55- "وإنهم لنا لغائظون" يقال، غاظني كذا وأغاظني، والغيظ الغضب، ومنه التغيظ والاغتياظ: أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني.
55- "وإنهم لنا لغائظون"، يقال: غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضيه، والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا بمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا.
55 -" وإنهم لنا لغائظون " لفاعلون ما يغيظنا .
55. And lo! they are offenders against us.
55 - (Saying): These (Israelites) are but a small band,