[الفلق : 3] وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
3 - (ومن شر غاسقٍ إذا وقب) أي الليل إذا أظلم أو القمر إذا غاب
وقوله : " من شر غاسق إذا وقب " يقول : ومن شر مظلم إذا دخل وهجم علينا بظلامه .
ثم اختلف أهل التأويل في المظلم الذي عني في هذه الآية ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة منه ، فقال بعضهم : هو الليل إذا أظلم .
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عي ، قال :ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : الليل .
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، قال : أنبأنا عوف ، عن الحسن ، في قوله " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : أول الليل إذا أظلم .
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا أبو صخر ، عن القرضي أنه كان يقول في " غاسق إذا وقب " يقول : النهار إذا دخل في الليل .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن رجل من أهل المدينة ، عن محمد بن كعب " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : هو غروب الشمس إذا جاء الليل ، إذا وقب .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال :ثنا ورقاء جميعاً ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله " غاسق " قال : الليل " إذا وقب " قال : إذا دخل .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : الليل إذا أقبل .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : إذا جاء .
حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي عن ابن عباس ، قوله " إذا وقب " يقول : إذا أقبل . وقال بعضهم : هو النهار إذا دخل في الليل ، وقد ذكرناه قبل .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن رجل من أهل المدينة ، عن محمد بن كعب القرظي " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : هو غروب الشمس إذا جاء الليل ، إذا وجب .
وقال آخرون : هو كوكب . وكان بعضهم يقول : ذلك الكوكب هو الثريا .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا سليمان بن حبان ، عن أبي المهزم ، عن أبي هريرة في قوله " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : كوكب .
حدثني يونس ، قل : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : كانت العرب تقول : الغاسق : سقوط الثريا ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها ، وترفتفع عند طلوعها .
ولقاائي هذا القول علة من أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما :
حدثنا به نصر بن علي ، قال : ثنا بكار بن عبد الله ابن أخي همام ، قال : ثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " ومن شر غاسق إذا وقب " قال : النجم الغاسق .
وقال آخرون : بل الغاسق إذا وقب القر ورووا بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم خبراً .
حدثنا أبو كريب ، قل : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن سفيان ، قال : ثنا أبي و يزيد بن هارون به .
وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن خله الحارث بن عبد الرحمن ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ،" عن عائشة قالت : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ، ثم نظر إلى القمر ، ثم قال : يا عائشة تعوذي بالله من شر غاسق إذا وقب وهذا غاسق إذا وقب " وهذا لفظ حديث أبي كريب و ابن وكيع ، وأما ابن حميد ، فإنه قال في حديثه : قالت :" أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ، فقال : أتدرين أي شيء هذا ؟: تعوذي بالله من شر هذا ، فإن هذا الغاسق إذا وقب " .
حدثنا محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو عامر قال : ثنا ابن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " نظر إلى القمر ، فقال : يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب " .
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، أن يقال : أن الله أر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ " من شر غاسق " وهو الذي يظلم ، يقال : قد غسق الليل يغسق غسوقاً : إذا أظلم . " إذا وقب " يعني : إذا خل في ظلامه ، والليل إذا دخل في ظلاغمه غاسق ، والنجم إذا أفل غاسق ، والقمر غاسق إذا وقب ، ولم يخصص بعض ذلك يبل عم الأمر بذلك ، فكل غاسق فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب . وكان قتادة يقول في معنى وقب : ذهب .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن قتادة " غاسق إذا وقب " قال : إذا وهب وليست أعرف ما قال قتادة في ذلك في كلام العرب ، بل المعروف من كلامها من معنى وقب دخل .




الخامسة: قوله تعالى:" ومن شر غاسق إذا وقب" اختلف فيه، فقيل : هو الليل. والغسق : اول ظلمة الليل، يقال منه : غسق الليل يغسق أي أظلم. قال ابن قيس الرقيات:
إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا
وقال آخر:
يا طيف هند لقد أبقيت لي يأرقاً إذ جئتنا طارقاً والليل قد غسقا
هذا قول ابن عباس والضحاط وقتادة والسدي وغيرهم. و(وقب) على هذا التفسير: أظلم قاله ابن عباس. والضحاك : دخل قتادة : ذهب. يمان بن رئاب: سكن. وقيل: نزل ، يقال: وقب العذاب على الكافرين ، نزل. قال الشاعر:
وقب العذاب عليهم فكأنهم لحقتهم نار السموم فأحصدوا
وقال الزجاج: قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار. والغاسق : البارد. والغسق: البرد، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها ، والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشر على العيث والفساد. وقيل : الغاسق: الثريا، وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك، قاله عبدالرحمن بن زيد. وقيل: هو الشمس إذا غربت، قاله ابن شهاب. وقيل : هو القمر. قال القتبي:"إذا وقب" القمر : إذا دخل في ساهوره، وهو كالغلاف له، وهو أصح، لأن في الترمذي عن عائشة:
" ان النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: (يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب)". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة القمر. وأنشد:
أراحني الله من أشياء أكرهها منها العجوز ومنها الكلب والقمر
هذا يبوح وهذا يستضاء به وهذه ضمرز قوامة السحر
وقيل: الغاسق: الحية إذا لدغت. وكأن الغاسق نابها، لأن السم يغسق منه، أي يسيل. ووقب نابها: إذا دخل في اللديغ. وقيل: الغاسق: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم:غسقت القرحة:إذا جرى صديدها.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عصام , حدثنا أبو أحمد الزبيري , حدثنا حسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال الفلق الصبح, وقال العوفي عن ابن عباس "الفلق" الصبح, وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن محمد بن عقيل والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي, وابن زيد ومالك عن زيد بن أسلم مثل هذا, قال القرظي وابن زيد وابن جرير : وهي كقوله تعالى: "فالق الإصباح" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "الفلق" الخلق, وكذا قال الضحاك : أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله, وقال كعب الأحبار "الفلق" بيت في جهنم, إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره, ورواه ابن أبي حاتم , ثم قال: حدثنا أبي , حدثنا سهيل بن عثمان عن رجل سماه, عن السدي , عن زيد بن علي , عن آبائه أنهم قالوا "الفلق" جب في قعر جهنم عليه غطاء, فإذا كشف عنه, خرجت منه نار تضج منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه, وكذا روي عن عمرو بن عنبسة وابن عباس والسدي وغيرهم.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر, فقال ابن جرير : حدثني إسحاق بن وهب الواسطي , حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي , حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني عن شعيب بن صفوان , عن محمد بن كعب القرظي , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الفلق جب في جهنم مغطى" إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال أبو عبد الرحمن الحبلي "الفلق" من أسماء جهنم, وقال ابن جرير : والصواب القول الأول إنه فلق الصبح, وهذا هو الصحيح, وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: "من شر ما خلق" أي من شر جميع المخلوقات, وقال ثابت البناني والحسن البصري : جهنم وإبليس وذريته مما خلق "ومن شر غاسق إذا وقب" قال مجاهد : غاسق الليل إذا وقب غروب الشمس, حكاه البخاري عنه, وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه, وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وخصيف والحسن وقتادة : إذا وقب الليل إذا أقبل بظلامه. وقال الزهري "ومن شر غاسق إذا وقب" الشمس إذا غربت, وعن عطية وقتادة : إذا وقب الليل إذا ذهب, وقال أبو المهزم عن أبي هريرة "ومن شر غاسق إذا وقب" الكوكب, وقال ابن زيد : كانت العرب تقول الغاسق سقوط الثريا, وكانت الأسقام والطواعين تكبر عند وقوعها, وترتفع عند طلوعها.
قال ابن جرير : ولهؤلاء من الاثار ما حدثني نصر بن علي , حدثني بكار بن عبد الله بن أخي همام , حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن شر غاسق إذا وقب ـ النجم الغاسق" (قلت) وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم, قال ابن جرير وقال آخرون: هو القمر. (قلت) وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو داود الحفري عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن أبي سلمة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأراني القمرحين طلع وقال: "تعوذي با لله من شر هذا الغاسق إذا وقب" ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن به. وقال الترمذي حديث حسن صحيح ولفظه "تعوذي با لله من شر هذا الغاسق إذا وقب" ولفظ النسائي "تعوذي با لله من شر هذا, هذا الغاسق إذا وقب" قال أصحاب القول الأول: وهو آية الليل إذا ولج هذا لا ينافي قولنا لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه, وكذلك النجوم لا تضيء إلا بالليل فهو يرجع إلى ما قلناه والله أعلم.
وقوله تعالى: "ومن شر النفاثات في العقد" قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك : يعني السواحر, قال مجاهد : إذا رقين ونفثن في العقد. وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى , حدثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية الحية والمجانين, وفي الحديث الاخر " أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اشتكيت يا محمد ؟ فقال : نعم فقال: باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك, ومن شر كل حاسد وعين, الله يشفيك, ولعل هذا كان من شكواه صلى الله عليه وسلم حين سحر, ثم عافاه الله تعالى وشفاه ورد كيد السحرة الحساد من اليهود في رؤوسهم, وجعل تدميرهم في تدبيرهم وفضحهم, ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الدهر, بل كفى الله وشفى وعافى " . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية , حدثنا الأعمش عن يزيد بن حبان عن زيد بن أرقم قال: " سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياماً. قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك وعقد لك في بئر كذا وكذا, فأرسل إليها من يجيء بها, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجها فجاءه بها فحللها, قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال " , فما ذكر ذلك لليهودي, ولا رآه في وجهه حتى مات, ورواه النسائي عن هناد عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير .
وقال البخاري في كتاب الطب من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة , فسألت هشاماً عنه, فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن, قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا فقال: "يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والاخر عند رجلي, فقال الذي عند رأسي للاخر: ما بال الرجل ؟ قال: مطبوب, قال: ومن طبه, قال لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقاً, قال: وفيم ؟ قال: في مشط ومشاقة, قال: وأين ؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان قالت: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء وكأن نخلها رؤوس الشياطين قال: فاستخرج فقلت: أفلا تنشرت ؟ فقال: أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شراً".
وأسنده من حديث عيسى بن يونس وأبي ضمرة أنس بن عياض وأبي أسامة ويحيى القطان وفيه قالت حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله, وعنده فأمر بالبئر فدفنت, وذكر أنه رواه عن هشام أيضاً ابن أبي الزناد والليث بن سعد , وقد رواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير , ورواه أحمد عن عفان عن وهيب عن هشام به. ورواه الإمام أحمد أيضاً عن إبراهيم بن خالد عن معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: " لبث النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي, فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والاخر عند رجليه, فقال أحدهما للاخر: ما باله ؟ قال: مطبوب, قال: ومن طبه ؟ قال: لبيد بن الأعصم, وذكر تمام الحديث " . وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره, قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من أسنان مشطه, فأعطاها اليهود فسحروه فيها.
وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له ابن أعصم, ثم دسها في بئر لبني زريق يقال له ذروان, فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتثر شعر رأسه ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن, وجعل يذوب ولا يدري ما عراه, فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان, فجلس أحدهما عند رأسه والاخر عند رجليه, فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل ؟ قال: طب, قال: وما طب ؟ قال: سحر ؟ قال: ومن سحره ؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وبم طبه ؟ قال: بمشط ومشاطة قال: وأين هو ؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان. والجف قشر الطلع, والراعوفة حجر في أسفل البئر ناتىء يقوم عليه الماتح, فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مذعوراً, وقال: "يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني بدائي ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء, ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه, وإذا فيه وتر معقود فيه اثنا عشر عقدة مغروزة بالإبر, فأنزل الله تعالى السورتين فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة, ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين انحلت العقدة الأخيرة, فقام كأنما نشط من عقال وجعل جبريل عليه السلام يقول: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من حاسد وعين, الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا نأخذ الخبيث نقتله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شراً" هكذا أورده بلا إسناد وفيه غرابة, وفي بعضه نكارة شديدة ولبعضه شواهد مما تقدم, والله أعلم.
3- "ومن شر غاسق إذا وقب" الغاسق الليل، والغسق الظلمة، يقال غسق الليل يغسق إذا أظلم. قال الفراء: يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم، ومنه قول قيس بن الرقيات:
إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا
وقال الزجاج: قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد، والغسق البرد، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها والهوام من أماكنها وينبعث أهل الشر على العبث والفساد، كذا قال، وهو قول بارد، فإن أهل اللغة على خلافه، وكذا جمهور المفسرين. ووقوبه: دخول ظلامه، ومنه قول الشاعر:
وقب العذاب عليهم فكأنهم لحقتهم نار السموم فأخمدوا
أي دخل العذاب عليهم، ويقال وقبت الشمس: إذا غابت، وقيل الغاسق الثريا، وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك، وبه قال ابن زيد. وهذا محتاج إلى نقل عن العرب أنهم يصفون الثريا بالغسوق. وقال الزهري: هو الشمس إذا غربت، وكأنه لاحظ معنى الوقوب ولم يلاحظ معنى الغسوق، وقيل هو القمر إذا خسف، وقيل إذا غاب. وبهذا قال قتادة وغيره، واستدلوا بحديث أخرجه أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت "نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى القمر لما طلق فقال: يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب". قال الترمذي: بعد إخراجه حسن صحيح، وهذا لا ينافي قول الجمهور، لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وهكذا يقال في جواب من قال إنه الثريا. قال ابن الأعرابي: في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة القمر. وقيل الغاسق: الحية إذا لدغت. وقيل الغاسق: كل هاجم يضر كائناً ما كان، من قولهم غسقت القرحة: إذا جرى صديدها. وقيل الغاسق هو السائل، وقد عرفناك أن الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله أهل القول الأول، ووجه تخصيصه أن الشر فيه أكثر، والتحزر من الشرور فيه أصعب، ومنه قولهم: الليل أخفى للويل.
3- "ومن شر غاسق إذا وقب"، أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا جعفر بن محمد المغلس، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة عن عائشة قالت: "أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر فقال: يا عائشة، استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب. هذا غاسق إذا وقب".
فعل هذا: المراد به: القمر إذا خسف واسود "وقب"، أي: دخل في الخسوف وأخذ في الغيبوبة وأظلم.
وقال ابن عباس: الغاسق: الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل شيء وأظلم و الغسق: الظلمة، يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم، وهو قول الحسن ومجاهد، يعني الليل إذا أقبل /ودخل و الوقوب: الدخول، وهو دخول الليل بغروب الشمس.
قال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار.
وقيل: سمي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار، والغسق: البرد.
وقال ابن زيد: يعني الثريا إذا سقطت. ويقال: إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها.
3-" ومن شر غاسق " ليل عظيم ظلامه من قوله : " إلى غسق الليل " وأصله الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعاً وقيل السيلان و " غسق الليل " انصباب ظلامه وغسق العين سيلان دمعه . " إذا وقب " دخل ظلامه في كل شيء ، وتخصيصه لأن المضار فيه تكثر ويعسر الدفع ،ولذلك قيل الليل أخفى للويل .وقيل المراد به القمر فإنه يكسف فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف .
3. From the evil of the darkness when it is intense,
3 - From the mischief of Darkness as it overspreads;